السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

110

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

الرحمة الشاملة « فَلا مُرْسِلَ لَهُ » أبدا إذ لا يستطيع أحد إمساك ما يرسل كما لا يقدر أن يرسل ما يمسك « مِنْ بَعْدِهِ » كيف يجرؤ أحد أو يقدر على شيء من ذلك « وَهُوَ الْعَزِيزُ » الغالب على كل أحد وعمله « الْحَكِيمُ » 2 الذي لا يعمل إلا ما تقتضيه حكمته من إعطاء ومنع ووضع ورفع ، روى مسلم عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد . والجد هنا الغنى والبخت أي الحظ ، فلا ينفع الغني والمبخوت حظه وغناه ، لأنها منك ، وإنما ينفعه الإخلاص والعمل بطاعتك . انظر رعاك اللّه ما أدعى هذه الآية إلى الانقطاع إلى اللّه تعالى ، والإعراض عما سواه والإجمال في طلب الرزق اتباعا لأمر الرسول فيه القائل : أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما كتب له منها . فإذا علم هذا وكان من المؤمنين مال إلى إراحة نفسه وسكون باله عن التخيلات الموجبة للتهويش وسهر الليالي . أخرج ابن المنذر عن عامر ابن عبد قيس قال : أربع آيات من كتاب اللّه إذا قرأتهن فما أبالي ما أصبح عليه وأمسي : هذه الآية ، وقوله تعالى ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) * الآية 108 من سورة يونس ، وقوله تعالى ( ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ) الآية 7 من سورة هود في ج 2 ، وقوله تعالى ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) الآية 8 من سورة الطلاق في ج 2 . هذا ، وبعد أن بين اللّه تعالى بأنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإطلاق كيفما يشاء أمر أهل مكة قوم نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم بشكر نعمه التي من جملتها اختصاصهم به ، فقال « يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » التي من جملتها تشريفكم بنبي منكم وجعلكم من أمته ، وأسكنكم حرمه ، وأمنكم بمنع غارات الناس عليكم ، فأنتم محميّون بحمايته ويتخطف الناس من حولكم فانظروا وتفكروا « هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » غيثا ونباتا لكم ولأنعامكم . وهذا استفهام إنكاري لإنكار التصديق وإنكار الحكم ، وهو جائز كما في المطول وحواشيه ،